ابن قيم الجوزية

362

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما توليده للتلذّذ بالخدمة : فإنه كلما طالع قلبه ثمرتها وحسن عاقبتها التذّ بها . وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره ، ويقاسي مشاق السفر لأجلها . فكلما صورها لقلبه هانت عليه تلك المشاق والتذّ بها . وكذلك المحب الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقة عليه ، كلما تأمل ثمرة رضاه عنه وقبوله سعيه ، وقربه منه : تلذذ بتلك المساعي . وكلما قوي علم العبد بإفضاء ذلك السبب إلى المسبب المطلوب ، وقوي علمه بقدر المسبب وقرب السبب منه : ازداد التذاذا بتعاطيه . وأما إيقاظ الطباع للسماحة بترك المناهي : فإن الطباع لها معلوم ورسوم تتقاضاها من العبد . ولا تسمح له بتركها إلا بعوض هو أحب إليها من معلومها ورسومها ، وأجل عندها منه وأنفع لها . فإذا قوي تعلق الرجاء بهذا العوض الأفضل الأشرف : سمحت الطباع بترك تلك الرسوم وذلك المعلوم . فإن النفس لا تترك محبوبا إلا لما هو أحب إليها منه ، أو حذرا من مخوف هو أعظم مفسدة لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب . وفي الحقيقة ففرارها من ذلك المخوف إيثار لضده المحبوب لها . فما تركت محبوبا إلا لما هو أحب إليها منه . فإن من قدّم إليه طعام لذيذ يضره ويوجب له السقم . فإنما يتركه محبة للعافية التي هي أحب إليه من ذلك الطعام . قال « الدرجة الثانية : رجاء أرباب الرياضات : أن يبلغوا موقفا تصفو فيه هممهم ، برفض الملذوذات ، ولزوم شروط العلم ، واستقصاء حدود الحمية » . أرباب الرياضات : هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفاتها ، والاستبدال بها مألوفات هي خير منها وأكمل ، فرجاؤهم أن يبلغوا مقصودهم بصفاء الوقت ، والهمة من تعلقها بالملذوذات . وتجريد الهم عن الالتفات إليها . وبلزوم شروط العلم . وهو الوقوف عند حدود الأحكام الدينية . فإن رجاءهم متعلق بحصول ذلك لهم ، واستقصاء حدود الحمية . و « الحمية » العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلا أو عاجلا . وله حدود متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبه ، والوقوف على حدودها بلزوم شروط العلم . والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين : بذل الجهد في معرفتها علما ، وأخذ النفس بالوقوف عندها طلبا وقصدا . قال « الدرجة الثالثة : رجاء أرباب القلوب . وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتياق ، المبغض المنغّص للعيش ، المزهّد في الخلق » . هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها . قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [ العنكبوت : 5 ] . وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته ، وإليه شخصت أبصار المشتاقين . ولذلك سلاهم اللّه تعالى بإتيان أجل لقائه . وضرب لهم أجلا يسكّن نفوسهم ويطمئنها . و « الاشتياق » هو سفر القلب في طلب محبوبه . واختلف المحبون : هل يبقى عند لقاء المحبوب أم يزول ؟ على قولين :